أبي حيان الأندلسي
55
تفسير البحر المحيط
له قبل إلى القابلة ، وأن عمر ، وكعباً الأنصاري ، وجماعة من الصحابة واقعوا أهلهم بعد العشاء الآخرة ، وأن قيس بن صرمة الأنصاري نام قبل أن يفطر وأصبح صائماً فغشي عليه عند انتصاف النهار ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ) ، فنزلت . وقال بعض العلماء : نزلت الآية في زلة ندرت ، فجعل ذلك سبب رخصة لجميع المسلمين إلى يوم القيامة ، هذا إحكام العناية . ومناسبة هذه الآية لما قبلها من الآيات أنها من تمام الأحوال التي تعرض للصائم ، ولما كان افتتاح آيات الصوم بأنه : كتب علينا كما كتب على الذين من قبلنا ، اقتضى عموم التشبيه في الكتابة ، وفي العدد ، وفي الشرائط ، وسائر تكاليف الصوم . وكان أهل الكتاب قد أمروا بترك الأكل بالحل ، والشرب والجماع في صيامهم بعد أن يناموا ، وقيل : بعد العشاء ، وكان المسلمون كذلك ، فلما جرى لعمر وقيس ما ذكرناه في سبب النزول ، أباح الله لهم ذلك من أول الليل إلى طلوع الفجر ، لطفاً بهم . وناسب أيضاً قوله تعالى : في آخر آية الصوم : * ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) * وهذا من التيسير . وقوله : أحل ، يقتضي أنه كان حراماً قبل ذلك ، وقد تقدّم نقل ذلك في سبب النزول ، لكنه لم يكن حراماً في جميع الليلة ، ألا ترى أن ذلك كان حلالاً ، لهم إلى وقت النوم أو إلى بعد العشاء ؟ . وقرأ الجمهور : أحل ، مبنياً للمفعول ، وحذف الفاعل للعلم به ، وقرئ ، أحل مبنياً للفاعل ، ونصب : الرفث به ، فأما أن يكون من باب الإضمار لدلالة المعنى عليه ، إذ معلوم للمؤمنين أن الذي يحل ويحرم هو الله ، وأما أن يكون من باب الالتفات ، وهو الخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب ، لأن قبله : * ( فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى ) * ولكم ، متعلق بأحل ، وهو التفات ، لأن قبله ضمير غائب ، وانتصاب : ليلة ، على الظرف ، ولا يراد بليلة الوحدة بل الجنس ، قالوا : والناصب لهذا الظرف : أحل ، وليس بشيء ، لأن : ليلة ، ليس بظرف لأحل ، إنما هو من حيث المعنى ظرف للرفث ، وإن كانت صناعة النحو تأبى أن تكون انتصاب ليلة بالرفث ، لأن الرفث مصدر وهو موصول هنا ، فلا يتقدّم معموله ، لكن يقدّر له ناصب ، وتقديره : الرفث ليلة الصيام ، فحذف ، وجعل المذكور مبنياً له كما قالوا في قوله : وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان أن تقديره : إذعان للذلة إذعان ، وكما خرّجوا قوله : * ( إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) * * ( وَإِنّى * لِعَمَلِكُمْ مّنَ الْقَالِينَ ) * أي ناصح لكما ، وقال : لعملكم ، فما كان من الموصول قدّم ما يتعلق به من حيث المعنى عليه أضمر له عامل يدل عليه ذلك الموصول ، وقد تقدّم أن من النحويين من يجيز تقدّم الظرف على نحو هذا المصدر ، وأضيفت : الليلة ، إلى الصيام على سبيل الاتساع ، لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة ، ولما كان الصيام ينوى في الليلة ولا يتحقق إلاَّ بصوم جزء منها صحت الإضافة . وقرأ الجمهور : الرفث ، وقرأ عبد الله : الرفث ، وكنى به هنا عن الجماع ، والرفث قالوا : هو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه ، كلفظ : النيك ، وعبر باللفظ القريب من لفظ النيك تهجيناً لما وجد منهم ، إذ كان ذلك حراماً عليهم ، فوقعوا فيه كما قال فيه : * ( تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ) * فجعل ذلك خيانة ، وعدى بإلى ، وإن كان أصله التعدية بالباء لتضمينه معنى الإفضاء ، وحسن اللفظ به هذا التضمين ، فصار ذلك قريباً من الكنايات التي جاءت في القرآن من قوله : * ( فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ) * * ( وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ ) * * ( فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ ) * * ( فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ ) * . والنساء جمع الجمع ، وهو نسوة ، أو جمع امرأة على غير اللفظ ، وأضاف : النساء إلى المخاطبين لأجل الاختصاص ، إذ لا يحل الإفضاء إلاَّ لمن اختصت بالمفضي : أما بتزويج أو ملك . * ( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) * اللباس ، أصله في الثوب ، ثم يستعمل في المرأة . قال أبو عبيدة : يقال للمرأة هي لباسك ، وفراشك ، وإزارك لما بينهما من الممازجة . ولما كان يعتنقان ويشتمل كل منهما صاحبه في العناق ، شُبِّه كل منهما باللباس الذي يشتمل على الإنسان . قال الربيع : هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ ، وقال مجاهد ، والسدي